العدد الخامس و الخمسون
بيان الحركة
شعراء الحركة
قيصر عفيف مكرما في رومانيا
مراجعة نقدية
عرض دار نلسن
عذاب الركابي يحاور قيصر عفيف
الثقافية تحاور قيصر عفيف
مركز النور يحاور قيصر عفيف
قيصر و إمبراطورية الحركة الشعرية
 
أرسل أشعارك
أرسل تعليق

info@troubleshooters-it.com

 
 
الثقافية تحاور قيصر عفيف
محمد نجيم  

الثقافية: ما رأيك في قصيدة النثر ؟
قيصر:أنا لايخدعني التمييز الذي أقامه النقاد بين مختلف أنواع الشعر والنثر . هذا التمييزعقلاني محض ولاوجود له في الواقع. عندي ان الفرق الأساس بين النثر والشعر يكمن في شيئ واحد : الشعر كما النص الديني حمال أببعاد متعددة والنثر محدود في معنى واحد ضيق.

الثقافية: هل المستقبل للشعر أم للرواية ؟ ما مستقبل الشعر في العالم العربي ؟
قيصر:المستقبل للشعر والرواية معا . ان انتشار الرواية بين القراء يعود الى طبيعة الحياة المعاصرة . لاوقت أمام إنسان اليوم للتأمل والتفكير وقراءة الرواية تعطي لذة سريعة وهي قراءة تبدو سهلة للقارئ العادي أما الشعر الحديث فيتطلب قارئا مثقفا . وبالرغم من حملة الشهادات الجامعية نادرا مانجد المثقفين الذين يقرِون رواية أو شعر .الشاعر والروائي سيضل يبدع فتيار الإبداع يتخذ أشكالا متنوعة والمصيبة أن نترك للسوق التجارية مهمة تحديد مايكتب وينشر . بالرغم من كل الصعوبات أمام الشعر ، من محاربة الناشر له ( لأنه لايبيع ) من محاربة التقليديين الذين يخافون التجديد فإن الشعر الذي يطلع من الكيان سيظل ينبت مادام في الإنسان نزعة للتعبير.

الثقافية: هل نفهم مما تقول أن الشعر يكتب للنخبة فقط ؟
قيصر: لايكتب الشعر للنخبة الخاصة ولا للعامة . ربما يختار بعض الشعراء مجموعة يكتبون لها كأن يكتب قصائد تغنى . أعتقد أن الشاعر يكتب حين يطغى عليه سلطان النص فيقذفه الى الورقة . أحيانا يصيب الفكر شلل ويتعطل الوجدان ولايبقى من الحالة الا كلمات تكون عصارة ما اختمر في الذات والكيان فتأتي القصيدة لتلبس الحالة ثوبا ماديا من كلمات يحمله الى الأبد .

الثقافية: من يستطيع التقاط هذه الكلمات التي تشكل القصيدة ؟
قيصر: ان عصرنا عصر اختصاص في كل الميادين نجد المختصين في الإقتصاد والطب والعلوم والدب والفلسفة. قد يصعب علي أن نطلب من غير المختصين في الأدب والشعر فهم الشعر الحديث. الجمناهير لاتريد الإعتراف بأن الزمان تبدل اعتادت أن تقرأ الشعر بالفم وتسمعه بالأذن فيسهل عليها تذوقه . أما الشعر اليوم فيقرا بالعين ويسمع بالعقل والقلب والخاطر والقصيدة الحديثة متعددة الهضاب والجبال والأودية والمغاور. نصها مشرع مفتوح أمام احتمالات لاحصر لها. ولهذا فهي مغلقة على الجماهير حتى حين يخرج شاعر بعبقريته من حضارته الى العالمية فلا يعطيه هذا الخروج بالضرورة استمتاع الجماهير بشعره .

الثقافية: هل من نصيحة توجهها للشعراء الجدد ؟
قيصر:من طبيعتي أكره اعطاء النصائح مع اني احب أن أتلقاها . اعطاء النصيحة في هذا المجال لايعني العودة الى الأصول والقواعد و المفروضات وأنا ، في مجا الإبداع ارفض كل مايفرض على الشاعر أن يفتح الآفاق ، أن يتخطى الحدود ، الا يلتزم بنصائح سوى النابعة من جوانيته . ليفجر المعاني كلها ، ليكسر القواعد كلها ، بما فيها قواعد اللغة إذا اراد ليهرب من كل القضبان والسجون بما فيها الأخلاقية والإجتماعية إذا ارتأى ذلك . الشاعر عويل طائر الحرية ، ان أنت أسرته خسرته . ومع ذلك إذا كان لابد من أن أتمنى شيئا للشعراء الجدد كما تسميهم هو أن لايملو ا أو يقرفوا ، أن يكتبوا حتى ولم ينشروا . الكتابة صناعة ومع الزمن تتبلور وتتهذب ككل صنعة .

الثقافية: هل لك أن تخبرنا عن منشورات الحركة الشعرية ؟

قيصر: أشكرك على هذا السؤال لأن الكثير من الشعراء الشباب يكتبون الينا ويسألون . عمدنا لفترة ما الى نشر مجموعات للشعراء الأصدقاء . ولكن مع الأزمة المالية الحالية وتناقص مداخيلنا رأينا أن نتوقف لنستمر في اصدار مجلة الحركة الشعرية . ومع هذا إذا أراد شاعر أن ينشرمجموعته ىفي سلسلة كتب الحركة الشعرية وكان مستعدا للمساهمة في مصاريف الطباعة ربما ساعدناه على ذلك .

الثقافية: كيف يستطيع الشعراء الشباب الحصول على مجلة الحركة الشعرية باستمرار ؟
قيصر: بمجرد الكتابة الينا وطلب ارسالها على عنوانه البريدي . نرسلها مجانا إذا كان عاجزا عن دفع اشتراكه وأحيانا نتوقف عن ارسالها عندما لانعود ونستلم من المشتركين ما يؤكد لنا بقائهم في عناوينهم. تصور مثلا . وانت توزع مجلة مجانا أن تستلم من البريد أعدادا مرتجعة لأن المرسل اليه غير عنوانه . فمن العدد الماضي أرجع البريد لنا مايزيد على عشرة نسخ

بيان قيصر عفيف الذي افتتح به العدد الأول من مجلة الحركة الشعرية :

الكلام على الشعر العربي الحديث يفترض وجود ظاهرة درجنا على تسميتها" الحداثة". وتجربة الحداثة بداية زمان جديد لا قواعد فيه تخضع لسلطانها .كل قصيدة جديدة إبداع جديد، فالتبدل هنا أساس : تبدّلُّ في الأساليب وطرقالتعبير والتفكير.

لا قاعدة غير التحولات . ماذا ننتظر منها اذن ؟ كل غريب وغير مألوف ؟فالحداثة مفاجأة تبهرنا برونق جديد. بحركة لا تعرف الثبات . حدودها خارجكل الحدود، ومساحتها خارج كل المساحات ، وتجربتها وسع المدى.الحداثة توتر يؤرقه الآتي ، فتغني :"أنا سيّدُهُ ". ترسم الملامح، والمستقبل نصبعينيها. إن تمردت على الماضي ، فلأن المستقبل يشدُّها نحوه . إن حطمت
التقاليد، فلأن حلم الإبداع الآتي يجذبها إليه . إن قلعت التافه من التراث ،فلأنها تزرع نُصب إبداعٍ .

الحداثة ثورة في تاريخ العرب بدلّت من طبيعة الابداع الشعري ، فازدهرتتجربتها في أوطان عربية قليلة نعمت بالحرية، وبدأتتجارب جديدة، إلا أنالخطر الذي ظل يهدّد الشعر في هذه الأوطان هو اعتباره هامشياً، سطحياً،و أنه يأتي من باب التسلية لا في رأس سلّم الأولويات . هكذا حورب الشعرالحديث بإهماله .

الحداثة موقف من الوجود لا يغطي العيوب وإنما يكشفها. لا يُقنِّع التقصيربالنجاح والهزيمة بالنصر، والخيبة بالأمل ، والخواء بالامتلاء. عبّر روّادالحداثة عن هذا الموقف الشجاع وهم يعانون تجربة الانقطاع عن التراثوالانفصال عن السلفية، متحدّين الأشكال الشعرية القديمة ، فابتكروا تفاعيل جديدة، غير الخليلية. ومن بعد الرواد جاء شعراء دفنوا الشكل القديم تماماورفعوا أشكالا لا تتكرر أبدا . خرجوا عن قيود الأوزان والقوافي ، فلم يعد وزن الشعر خارجياً عامود القصيدة وإنما وزنه داخلياً. ترابط كلماته يعطيه موسيقاه . في الماضي لو كُسِر الوزن الخارجي كُسرت القصيدة، كُسِرالكمال ، وغاب الجمال . اليوم لا يكسر الشعر شكلا ولا وزناً . القراءة هي وحدها عامود الشعر، فهي التي تُنصِّب النص ملكاً أو تلقي به جسداً بلا له روح .
مع نزول الحداثة بدأ الشعر يتخلص من الاستعارات الفارغة والكنايات السخيفة. صار أكثر نقاء وأبهى صورة. النصّ الشعري اليوم مفتوح أمام تفاسير جديدة مع كل قراءة جديدة. هذا لم نعرفه من قبل في تاريخ الشِّعر العربي . كلمات القصيدة كانت مفردات المعجم . اليوم هي نبضات التجربةالحية.

الشاعر الحديث يسمو باللفظة إلى بهاء الشعر. هذا هو السر الذي يحملنا دانما على ترديد مقولة "الشّاعر الساحر". ساحرٌ يأخذ تجربة من مجرى الأحداث والتاريخ ، فوق الزمان . الشعر زمان فوق الزمان ، ذاكرة الزمان السرية، يومياته الخفية، مفكرته الحميمة. وتأتي الكلمات والصور والقوالب لتسكب المسموع والمرئي في قصيدة تكون صورة للتجربة، تكشف أحيانا عن جوانب من الوجود بما تقوله ، وتكشف أحياناً عن جوانب أخرى بما لم تقله ، وكثيرا ما يكون الذي صمت عنه الشاعر أعمق مما قاله . لذا ربما اعترى الشِّعر الحديث بعضُ الغموض . الغموض يعني أن لا تفسير واحداً ونهائياً . فالحداثة ضدّ الوضوح الذي لا يكشف عن جديد.

أما لماذا يصعب علينا أحيانا فهم الشعر الحديث ، فباختصار لأننا مقصّرون في الشأن الثقافي . في الماضي كنا ندرس الشعر لنتثقف . اليوم نعجز عن فهمه إن لم نكن مثقفين قبل قراءته . في النصّ الحديث تركيب خفي وحركة سريّة متواصلة لمجموعة كلمات تترابط في القصيدة الواحدة، وبالتالي لا نستطيع أن نقرأ شاعراً تراثياً بالطريقة نفسها التي نقرأ بها شاعراً حديثاً.
قراءة الشعر الحديث مشاركة في إبداعه ، ولتقصيرنا الرهيب في الشأنالثقافي لم نتوصل بعد الى القراءة التي تستحقها قصائد حديثة كثيرة.

هل الحداثة مدرسة شعرية جديدة نؤرخ لها؟ المدارس الشعرية تكون عادة ردات فعل في وجه المدارس القائمة، كما الرومنطيقية ردة فعل في وجه الكلاسيكية، مثلا، وتظل المدرسة قائمة حتى تأتي مدرسة أخرى تتحداها لتُقيم قواعد جديدة للإبداع . لهذا لا نستطيع أن نؤرخ للحداثة، فهي ، و إنبدأت في زمان ، مثلها مثل مركز الدائرة. كل تجربة شعرية جديدة شعاع
جديد يطلع من المركز. مع كل عمل شعري جديد تبدأ الحداثة من جديد.

الحداثة تجربة دائمة البدء، لا تنتهي . الثورة الشِّعرية التي ولّدتها الحداثة خلقت تراثاً جديداً نسميه "تراث الحداثة" . هذا التراث أصيل ، دائم الحضور. أنجرؤ على التنبؤ باتجاه الحداثة؟ لا نستطيع القول أكثر من أنه شريط من المفاجأت . والمفاجأة تعني الضرب على أوتار جديدة أبدا . كل ما يتكرر أو يعاد، مصيره الإهمال والموت . إذن ، ماذا يبقى من احتمالات ؟ سباحة عكس لتيّار؟ لا، فالسباحة عكس التيار مصيرها التكرار. الاحتمال الوحيد أن تبقى الحداثة متيقظة لالتقاط المفاجأة المستمرة في التجربة الإنسانية الشاملة، وصياغتها في لغة جديدة تواكب العصر، بها نحفظ التراث وبها ننقطع عنه . بها نخرج من الفردوس لتمرّدنا، وبها نستعيد بهاءه لحريّتنا.

حوار : محمد نجيم